حين علّمتني نبتة معنى العلاقات

Posted by

·

لا أعرف لماذا اخترتها من بين كل النباتات.

ربما لأن شكلها كان مختلفًا، أو لأن عروق أوراقها الخضراء كانت مرسومة بدقة جعلتها تبدو وكأن الحياة نفسها تسري أمامي. وقفت أمامها دقائق، ثم حملتها معي إلى المنزل، وكأنني وجدت شيئًا يستحق أن أمنحه جزءًا من اهتمامي.

الغريب أن الأمر لا يختلف كثيرًا عن البشر.

ففي حياتنا نمر بعشرات الوجوه كل يوم، لكن هناك أشخاصًا يشدون انتباهنا دون سبب واضح. ننجذب إليهم، نرغب في التعرف عليهم، ومن تلك اللحظة تبدأ رحلة لا نعرف إلى أين ستقودنا.

بدأت أعتني بالنبتة. أسقيها، أراقبها، وأفرح مع كل ورقة جديدة تظهر. أصبحت جزءًا من روتيني اليومي، حتى شعرت أنها اعتادت وجودي كما اعتدت وجودها.

ثم انشغلت.

لم يكن انشغالًا طويلًا، مجرد يومين. لكن عندما عدت إليها، لم أجد النبتة التي تركتها. كانت أوراقها قد ذبلت، وانحنت أغصانها وكأنها تخبرني أن يومين بالنسبة لها لم يكونا مجرد يومين.

وقفت أمامها وأنا أفكر…

كم علاقة بين البشر حدث لها الشيء نفسه؟

ليس لأن سنوات مرت، بل لأن لحظة احتاج فيها أحدهم أن يجدنا فلم يجدنا. رسالة لم نرسلها، سؤال لم نسأله، اهتمام افترضنا أنه مفهوم دون أن نعبر عنه.

أحيانًا لا تهدم العلاقات العواصف… بل يهزمها الصمت.

ظننت في البداية أن النبتة انتهت، لكنني قررت أن أمنحها فرصة أخيرة. قصصت كل الأوراق الذابلة، وتركت منها ما ظننت أنه لا يزال قادرًا على الحياة.

كان منظرها مؤلمًا.

من يراها في تلك اللحظة لن يصدق أنها يمكن أن تعود كما كانت. لكنها، على عكس ما توقعت، بدأت بعد أيام قليلة ترسل براعم صغيرة، وكأنها تقول إن الحياة لا تبدأ دائمًا من الأوراق… بل من الجذور.

وكان من المفترض أن أتعلم الدرس هنا.

لكنني لم أفعل.

من شدة فرحتي بعودتها، تحولت عنايتي إلى مبالغة. أصبحت أراقبها أكثر من اللازم، وأتفقدها كل يوم، وأمنحها من الماء والاهتمام ما ظننته حبًا.

ثم لاحظت أنها بدأت تتعب مرة أخرى.

وقتها فقط فهمت شيئًا لم أكن أتوقع أن تعلمنيه نبتة.

المشكلة ليست دائمًا في قلة الاهتمام.

أحيانًا تكون في كثرته.

فكما أن الجفاف يقتل الجذور، فإن الماء الزائد يخنقها.

وبدأت أراجع كثيرًا من العلاقات التي مررت بها.

كم مرة أفسد الإهمال علاقة جميلة؟

وكم مرة أفسدها الخوف من فقدانها؟

كم مرة ظننا أن المزيد من الرسائل، والمزيد من السؤال، والمزيد من القرب، هو دليل حب… بينما كان الطرف الآخر يحتاج فقط إلى مساحة يتنفس فيها؟

ليست كل النباتات تُروى بنفس الكمية.

وليست كل العلاقات تُبنى بالطريقة نفسها.

هناك من يحتاج وجودك كل يوم، وهناك من يكفيه أن يعرف أنك موجود إذا احتاجك. هناك من يزدهر بالقرب منك، وهناك من يذبل إذا اقتربت أكثر مما ينبغي.

ربما لهذا السبب لا توجد وصفة واحدة للنجاح، لا في الزراعة ولا في العلاقات.

كل ما في الأمر أننا نحتاج أن نتعلم الإصغاء.

فالنبات يخبرك بما يحتاجه من خلال أوراقه، والبشر أيضًا يخبروننا، لكن بلغات مختلفة؛ بالصمت، وبالانسحاب، وبالفرح، وبالطمأنينة.

ومنذ تلك النبتة، لم أعد أتعلم كيف أعتني بالنباتات فقط.

أصبحت أحاول أن أتعلم كيف أعتني بالناس.

تعلمت أن الجفاء قد يذبل القلوب، وأن الحب إذا فقد توازنه قد يتحول إلى عبء.

وأن الجذور، سواء كانت في أصيص صغير أو في قلب إنسان، لا تبحث عن أكبر قدر من الاهتمام…

بل عن القدر المناسب منه.

شارك رأيك

Mohamed Sami

About the author

Mohamed Sami is a Industry Advisor who has a solid engineering background, he has more than 18 years of professional experience and he was involved in more than 40 government national projects with holding different roles and responsibilities, from national projects execution and management to drafting of the conceptual architecture and solutions design. Furthermore, Mohamed contributed to various digital strategies in the government sector, which improved his business and technical skills over his career development.

اكتشاف المزيد من محمد سامي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من محمد سامي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة